محمد راغب الطباخ الحلبي
277
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
والتقاطي الدر من مذاكرتها ، وما كان بيننا من المصافاة التي هي مصافاة الماء مع الراح ، وما يجري بيننا من المفاوضة التي هي في الحقيقة مفاوضة الورد مع التفاح . وعلى كل حال فلا عوض لنا عنها إلا ما تنقله الركبان من أخبار سلامتها ، وما تودعه في صدفة آذاننا من جواهر آثار عدالتها . لا جرم أنه كلما تعطرت مجالسنا بشيء من ذلك ، دعونا اللّه عز وجل فيما هنالك ، بأن يزيد باع عدلها امتدادا ، وشعاع فضلها سطوعا وازديادا ، وأن يبلغها أقصى ما تطمح إليه عين طامحة ، أو تجنح نحوه نفس جانحة . هذا والمتوقع من كرمها ، كما هو المألوف من شيمها ، أن لا تخرجنا من ضميرها المنير ، وأن تعدّنا في جريدة من يلوذ بمقامها الخطير . واللّه تعالى يبقي لنا تلك الذات سامية الركاب عالية القباب ، في رفعة دونها قاب العقاب . وبالجملة فمحاسن هذا السيد كثيرة ، وأشعاره ومنشآته عزيرة ، فلنكتف بهذا المقدار . وكانت وفاته في سنة ست وخمسين وألف وعمره ثلاث وخمسون سنة ، حتى إنه كان يقول في مرض موته : أحمد واقعة الحال . رحمه اللّه تعالى . ا ه . وترجمه الشهاب في الريحانة فقال : سيد عجنت طينته بماء الوحي والنبوة ، وغرست نبعته في ساحة الفضل والفتوة ، له مناقب هي الوشي حسنا وبهجة ( إذا نشرت كانت ممسّكة النشر ) وغرائب رغائب في الكرم واضحة المحجة ( يظل بها مستعبد النظم والنثر ) . اجتليت بحلب محياه ، فأكرمني بجوده ونداه ، ومدحته شكرا لما أولاه : وكذا الهاشميّ مثلك لا * يمدح إلا بها شميّ الكلام فاستعار ديواني واشتغل بمطالعته وانتخابه ، وفي أثناء ذلك دعوته فلم يجب ، ثم لاقيته فاعتذر بعد عتابه ، بأن اشتغاله بالديوان منع من الملاقاة ، فأنشدني هذه الأبيات : وحقك لم أترك زيارة سيدي * للوّ يعوق النفس عنه ولا ليت ولكن بديوان له قمت خادما * وقد كان فكري قبل ذلك كالميت فأدهشني حسن به ظلت حائرا * فأدخل في بيت وأخرج من بيت